Sunday, September 2, 2007

فيرتيجو


فيرتيجو ... روايتى الأولى
أرجو ألا تكون الأخيرة












فى أبريل 1967 لم تكن عجلة التاريخ قد توقّفت بعد عند جودة الذّى كان وقتها باشّاويش بالجيش المصرى تهتز له الأرض وهو عائد من وحدته بالجيش نازلاً من سيارة الترحيلات كيوليوس قيصر و هو عائِد مِن الإسكندريّة بعد إجتياحها عام 48 ق.م، يلتف حوله شباب حى الأميرية فى قهوة عِباده خلف شركة الأدوية منصِتين له وهو واضعاً رجل على رجل ببدلته الميرى وشنبه الدوجلاس، ينتظرون الكلام منه بين رشفات الشاى الكشرى التى تقطع سيل الحكايات والأخبار كإعلانات التليفزيون المُملّة وقت المسلسل، معتبرينه وزير الدولة لإعلام الأميرية، وكان التوتّر على الساحة الدولية ينذر بحرب وشيكة تدعُمها تصريحات القيادة السياسية التى وصلت وعودها لإلقاء إسرائيل فى البحر، فكان التصريح من الباشاويش جودة يكافئ تصريحات ليفى إشكول رئيس وزراء إسرائيل بل لعلّه أكثر صدقاً، كان يروق له رؤية الأعين المتعلِّقة بشفتيه وهى تلهث وراء كلماته تنتظر شذرة خبر يهللون لها ويسعد أكثر ببتر كلامه ليبرر لهم بأن هذه معلومات عسكريه لا يصح أن يفشيها ليرى الحسد فى عيونهم على ما أنعم عليه الله من عمل مع القيادة العسكريّة.. يقوم مدفوع الحساب يربت على كتفه الصغير والكبير داعين له بالصحة متبرّكين بشرائطه السوداء و متطلّعين للقائه فى الحلقة القادمة، يسير بعدها مزهواً بنفسه حتى بلوك 6 حيث يسكن بالدور الأول ليأكل لقمة ساخنة من يد أمه ويخلد بعدها للنوم ساعتين ويصحو ليبدأ يومه فى السابعة.. ماذا كان يعمل جودة فى المساء؟؟
يعمل فى ستوديو هالة.. من هى هالة ؟ إبنه يوسف.. ومن هو يوسف ؟ صديق عمر جوده.. وأبو هالة.. لم يكن جوده يفقه شىء فى حياته أكثر من الأكل والتصوير، بدين هو أصلع إلا من بعض الشعر المُسمّى بالشوشة الذى تمسّك بجزء من مقدّمة رأسه على طريقة محمود المليجى فى فيلم الأرض، يُطيل الجانب الأيمن من شعره ليكسوا منتصف الصلعة ويصل ككوبرى قصر النيل للناحية الأخرى ويبدو مع الفازلين كخطوط الرسم الهندسى الدقيقة، يرتدى نظّارة نظر كعب كُبّاية بإطار أسود عريض اليد تمسّك به منذ بداية الستينيات، تكسوه أمطار عرقية صيفاً وشِتاءً، ويعتبر أن أهم إختراع بعد الكهرباء والحلاوة الطحينية منديله المحلاوى، يكسو كرشه العزيز صديرى جلد كثير الجيوب يحمل فيه أجزخانة متنقّلة تستطيع أن تجد فيها شىء للصداع أو للإسهال وقد تجد معه شاش وميكروكروم أو حتّى مبضع لجراحة عاجلة.. على الصعيد الفنّى كان جودة مصوراً بارعاً بحق فى الأفراح، وجهه مكشوف كما يقولون لا يستحى من أحد ولا يعانى من لوثة أن كل المدعوّين ينظرون إليه، تِلك اللوثة التّى تُصيب المُصوّرين الجُدد، يوجّه المعازيم كأنهم عساكر فى وحدته، يصنع صورُه المعبّرة الباسمة بكاميرا ( رِيتِنا ) روسية وفلاش مثل غِطاء الحلّة يكاد يحرق العروس ويشوّه العريس ويودى بحياه بعض المعازيم ليتركهم مُثخني الجراح عند فتح البوفيه الذى يعتبره جنّه الله فى الأرض، ثم يودّع العرسان بلقطة لزجاج السيّارة الخلفى وهم يلوّحون للكاميرا ليُحمّض بعد ذلك الصور ويطبعها عند يوسف أبو هالة..
كانت الحياه مستقرّة لا يشوبها أى شىء حتّى يوم الخامس من يونيو 1967 عندما سمع جودة الأخبار فى الراديو وكان فى راحة فقفز فى بزّته العسكرية وإنطلق إلى وحدته العسكرية وسط بركات الأهالى و الجيران المنهالة.. إختفى جودة 5 أشهر، إبتلعته الحرب وتساءل الكثيرين أين عساه يكون ، حتى أن بعض الأهالى أطلق على أمه العجوز أم الشهيد.. حتّى أتت حافلة مُترِبة محمّلة بالهم والحزن و الجنود وكان من بينهم جودة منكّساً رأسه.. ركض إلى شقته وقبع 3 أيام حتّى ظهر على القهوة مرة أخرى، ليتلقّى تساؤلات الجيران حول إختفائه ومبررات ما حدث من داخل أرض المعركة التى لم يكن جودة قد وطأها أصلاً..
نعم فجودة لم يكن من الصفوف الأمامية ولا حتّى الخلفية فبشّاويشيته كانت فى الشؤون المعنوية..
ذلك ما لم يكن أحد يعرفه ولن يعرفه أحد مستقبلاً.. فالباشّاويش جودة الآن بطل من أبطال 67، قتل 25 جندى إسرائيلى بيده المجرّدة، أُسر 45 يوماً وهرب من الأسر ورجع من سيناء على قدميه العاريتين، أعطاه الرئيس جمال عبد الناصر نوط الشجاعة وربت على كتفيه وقال له يا جودة ( إنت فخر لينا كلّنا ) وأمر بتعيينه فى المخابرات الحربية، لف العالم 3 مرّات ورأى ما لم يره أحد ، أحب أجمل نساء الأرض وأنجب فى كل بلد ولد حتى فى إسرائيل مِن بنت جنرال إسرائيلى وقعت فى حبه وصوّرت له مستندات أبيها بنفسها ثم إنتحرت عندما عرفت أنه مصرى وليس إسمه ( إيزاك ) ، و تحوّلت كل جروح حرق المكواة والتطعيمات وتقشير البطاطس والدق على الأصبع بدل المسمار إلى رصاصات وطعنات تلقّاها أثناء تأدية الواجب، مروراً بحادث المنصّة الذى كان الوحيد الذى أردى فيه أحد المهاجمين، حتّى ظهور رأفت الهجّان الذى كان زميله فى المخابرات، كما سُمى معهد جوته الألمانى على إسمه تيمّناً به بسبب حُب المُستشار الألمانى له عِندما جاء إلى مصر.. فقط فاته ميعاد تسجيل الرغبة فى إرتياد الفضاء وسبقه نيل أرمسترونج ولولا ذلك لكان أول من هبط على القمر وليلة أمس عندما كان يتعشّى مع الرئيس عبد الناصر عزم عليه بالطرشى بنفسه وأقسم..
لو قُدّر لجيمس بوند أن يقابل جودة لغيّر إسمه أدباً لـ (003) بدلاً من (007) وأعطى هذا الشرف لجودة بدلاً منه..

1 comment:

Hamed said...

عزيزي أحمد مراد ..
لسة مخلص قراية فيرتيجو قبل منام امبارح، و أول مصحيت انهاردة لقيت الDSL اشتغل أخيراً فقلت أدخل أشوف مين هوة أحمد مراد ده اللي عملي دماغ عالية لمدة 48 ساعة (الفترة اللي قريت فيها الرواية) و عثرت على البلوج ده .. و مش عارف إن كنت متابعه و لا لأ .. بس على أية حال قلت لازم أسيبلك رأيي هنا سواء قريت كلامي ده دلوقتي أو بعد سنة أو مقريتهوش خالص ..
الرواية حبكتها حلوة جد ، و مفيهاش ثغرات واضحة .. و اختيار العنوان موفّق جداً ، فيرتيجو .. أنا صيدلي و عارف كويس يعني إيه فيرتيجو ، مش مجرد اسم بار ، ده حالة كاملة من عدم الاتزان عايشها المجتمع ، حالة من التخبط و الهذيان ، عالم من الدوخة !
و الحقيقة إني كنت حاسس جداً طول قرايتي للرواية إنها هتتعمل فيلم في يوم من الأيام ، و هيكون ناجح جداً ، ده انطباعي الخاص ، لغاية موصلت للبلوج بتاعك ولقيت مكتوب على الغلاف رواية سينمائية ، العبارة ده مش موجودة على الطبعة التانية اللي أنا اشتريتها على حد علمي ، -الرواية مش جنب إيدي دلوقتي للأسف - .. بس على أية حال أنا شايف إنها لو اتعملت فيلك هيبقى فيلم مميز قوي ..
نيجي بقى عن الحاجات اللي معجبتنيش في الرواية ..
محبتش السخرية الزيادة .. أنا مبقلش إن دمك كان تقيل .. الحقيقة إن أغلب إفيهاتك في الجون ، بس السؤال هوة يا ترى لما ألاقي كل كام فقرة إيفيه طول الرواية .. يبقى حاجة تقوي العمل و لا تضعفه ؟ إنتة مبتكتبش أدب ساخر ، و إنتة بتكتب حاجة تانية غير اللي بيكتبها أحمد خالد توفيق حتى لو مكنتش واخد بالك من ده ، يبقى إيه لازمة السخرية و الاستطراد الكتير اللي ملوش مبرر ، مشهد طويل عريض مثلاً زي مشهد أحمد و عمر و صاحبهم بتاع المدرسة ده على قهوة ليالينا .. إيه الهدف منه ، الرواية في اعتقادي زي العمارة .. دور فوق دور و طوبة فوق طوبة ، الطوبة اللي مش هيتحط فوقيها طوبة تبقى ملهاش لازمة ، بالظبط زي ما الطوبة اللي متحتهاش حاجة لازم تقع ..
و ده حسيته في شخصية آية كما و جوزها ، محستش إن ليهم لازمة في الرواية ، و مفهمتش ليه هية قبلته من الأول و ليه انقلبت عليه في الآخر ، حتى انفعال أحمد كمال على أخته طول الرواية مكنش مفهوم ، إيه المشكلة إنها تحب اللي هية عاوزاه ، و تلبس اللي عاوزاه ، و تعمل اللي هية عاوزاه ، إيه اللي يضايق قوي كده لما تشيل الصور المتعلقة و تحطها على جنب ، و طبيعي إنها تتّرب ، مش شايف سبب للانفعال لما جوزها يعالج (أو يمارس الدجل) في البيت ، و مفيش أي مبرر معقول يخلي أحمد كمال يقوله متعملش كده في بيت أبويا ، موضوع بيت أبويا مش منطقي الحقيقة ، و بعدين إيه سر الثورة العارمة اللي ثارها أحمد على أخته لما شافها بتزين البنت في شقتها ، و حفافة و مش عارف إيه ، أكيد مبررها زي مبرره بالضبط .. هية ملقتش حاجة تانية و معملتهاش .. زي مأحمد ملقاش حاجة تانية غير تصوير السكارى ..
حاجة كمان .. أنا في الحقيقة مش شايف مبرر لكل الهوامش اللي انتة حاططها في الرواية ده ، إنتة مبتكتبش دراسة أو بحث ، إيه لازمة إني أقول إن الأر بي جي هوة سلاح مضاد للدبابات ، أو إن هيتش كوك مخرج أفلام إثارة و تشويق .. الحاجات ده زيها زي السخرية الكتير و زي التشبيهات المبالغ فيها اللي انتة بتتفنن فيها طلعتني أكثر من مرّة برّة جو الرواية و محستش إن وجودها كان مهم أو أفاد الرواية في أي حاجة من الأساس ..
و إيه كمان ..
الحوار يا عزيزي .. ليه مبذلتش فيه شوية مجهود أكتر من كده .. إنتة ريحت نفسك بشعار الرواية السينمائية ، و قضيتها بطريقة :
أحمد : ....
عمر : ...
إلخ
في الأول و الآخر ده مش سيناريو .. و كان هيبقى أقوى بكتير من وجهة نظري المتواضعة و كنت دمجت الحوار ده جوة الرواية بطريقة توصلنا إحساس اللي بيتكلم و اللي بيسمع .. الطريقة ده ميزتها إنها كانت هتوفر عليك جمل حوارية كتير يمكن الرواية مكنتش محتاجالها ..
و أخيراً أجمل حاجة عجبتني في الرواية إنك عارف كويس بتتكلم عن إيه .. عارف الوسط ده جداً.. أقصد العالم السفلي .. عالم كباريه باريس / باريزيانا ؟ و كل رواده و ابطاله من كبار السكارى و البارمانات و الموصلتية و الرقاصين و الأرايل و العواهر و طبعا المصورين ..
تحياتي الخالصة .. و في انتظار الرواية الجديدة ..
حامد محمد حامد
mail4boswtol@yahoo.com