أرجو ألا تكون الأخيرة
فى أبريل 1967 لم تكن عجلة التاريخ قد توقّفت بعد عند جودة الذّى كان وقتها باشّاويش بالجيش المصرى تهتز له الأرض وهو عائد من وحدته بالجيش نازلاً من سيارة الترحيلات كيوليوس قيصر و هو عائِد مِن الإسكندريّة بعد إجتياحها عام 48 ق.م، يلتف حوله شباب حى الأميرية فى قهوة عِباده خلف شركة الأدوية منصِتين له وهو واضعاً رجل على رجل ببدلته الميرى وشنبه الدوجلاس، ينتظرون الكلام منه بين رشفات الشاى الكشرى التى تقطع سيل الحكايات والأخبار كإعلانات التليفزيون المُملّة وقت المسلسل، معتبرينه وزير الدولة لإعلام الأميرية، وكان التوتّر على الساحة الدولية ينذر بحرب وشيكة تدعُمها تصريحات القيادة السياسية التى وصلت وعودها لإلقاء إسرائيل فى البحر، فكان التصريح من الباشاويش جودة يكافئ تصريحات ليفى إشكول رئيس وزراء إسرائيل بل لعلّه أكثر صدقاً، كان يروق له رؤية الأعين المتعلِّقة بشفتيه وهى تلهث وراء كلماته تنتظر شذرة خبر يهللون لها ويسعد أكثر ببتر كلامه ليبرر لهم بأن هذه معلومات عسكريه لا يصح أن يفشيها ليرى الحسد فى عيونهم على ما أنعم عليه الله من عمل مع القيادة العسكريّة.. يقوم مدفوع الحساب يربت على كتفه الصغير والكبير داعين له بالصحة متبرّكين بشرائطه السوداء و متطلّعين للقائه فى الحلقة القادمة، يسير بعدها مزهواً بنفسه حتى بلوك 6 حيث يسكن بالدور الأول ليأكل لقمة ساخنة من يد أمه ويخلد بعدها للنوم ساعتين ويصحو ليبدأ يومه فى السابعة.. ماذا كان يعمل جودة فى المساء؟؟
يعمل فى ستوديو هالة.. من هى هالة ؟ إبنه يوسف.. ومن هو يوسف ؟ صديق عمر جوده.. وأبو هالة.. لم يكن جوده يفقه شىء فى حياته أكثر من الأكل والتصوير، بدين هو أصلع إلا من بعض الشعر المُسمّى بالشوشة الذى تمسّك بجزء من مقدّمة رأسه على طريقة محمود المليجى فى فيلم الأرض، يُطيل الجانب الأيمن من شعره ليكسوا منتصف الصلعة ويصل ككوبرى قصر النيل للناحية الأخرى ويبدو مع الفازلين كخطوط الرسم الهندسى الدقيقة، يرتدى نظّارة نظر كعب كُبّاية بإطار أسود عريض اليد تمسّك به منذ بداية الستينيات، تكسوه أمطار عرقية صيفاً وشِتاءً، ويعتبر أن أهم إختراع بعد الكهرباء والحلاوة الطحينية منديله المحلاوى، يكسو كرشه العزيز صديرى جلد كثير الجيوب يحمل فيه أجزخانة متنقّلة تستطيع أن تجد فيها شىء للصداع أو للإسهال وقد تجد معه شاش وميكروكروم أو حتّى مبضع لجراحة عاجلة.. على الصعيد الفنّى كان جودة مصوراً بارعاً بحق فى الأفراح، وجهه مكشوف كما يقولون لا يستحى من أحد ولا يعانى من لوثة أن كل المدعوّين ينظرون إليه، تِلك اللوثة التّى تُصيب المُصوّرين الجُدد، يوجّه المعازيم كأنهم عساكر فى وحدته، يصنع صورُه المعبّرة الباسمة بكاميرا ( رِيتِنا ) روسية وفلاش مثل غِطاء الحلّة يكاد يحرق العروس ويشوّه العريس ويودى بحياه بعض المعازيم ليتركهم مُثخني الجراح عند فتح البوفيه الذى يعتبره جنّه الله فى الأرض، ثم يودّع العرسان بلقطة لزجاج السيّارة الخلفى وهم يلوّحون للكاميرا ليُحمّض بعد ذلك الصور ويطبعها عند يوسف أبو هالة..
كانت الحياه مستقرّة لا يشوبها أى شىء حتّى يوم الخامس من يونيو 1967 عندما سمع جودة الأخبار فى الراديو وكان فى راحة فقفز فى بزّته العسكرية وإنطلق إلى وحدته العسكرية وسط بركات الأهالى و الجيران المنهالة.. إختفى جودة 5 أشهر، إبتلعته الحرب وتساءل الكثيرين أين عساه يكون ، حتى أن بعض الأهالى أطلق على أمه العجوز أم الشهيد.. حتّى أتت حافلة مُترِبة محمّلة بالهم والحزن و الجنود وكان من بينهم جودة منكّساً رأسه.. ركض إلى شقته وقبع 3 أيام حتّى ظهر على القهوة مرة أخرى، ليتلقّى تساؤلات الجيران حول إختفائه ومبررات ما حدث من داخل أرض المعركة التى لم يكن جودة قد وطأها أصلاً..
نعم فجودة لم يكن من الصفوف الأمامية ولا حتّى الخلفية فبشّاويشيته كانت فى الشؤون المعنوية..
ذلك ما لم يكن أحد يعرفه ولن يعرفه أحد مستقبلاً.. فالباشّاويش جودة الآن بطل من أبطال 67، قتل 25 جندى إسرائيلى بيده المجرّدة، أُسر 45 يوماً وهرب من الأسر ورجع من سيناء على قدميه العاريتين، أعطاه الرئيس جمال عبد الناصر نوط الشجاعة وربت على كتفيه وقال له يا جودة ( إنت فخر لينا كلّنا ) وأمر بتعيينه فى المخابرات الحربية، لف العالم 3 مرّات ورأى ما لم يره أحد ، أحب أجمل نساء الأرض وأنجب فى كل بلد ولد حتى فى إسرائيل مِن بنت جنرال إسرائيلى وقعت فى حبه وصوّرت له مستندات أبيها بنفسها ثم إنتحرت عندما عرفت أنه مصرى وليس إسمه ( إيزاك ) ، و تحوّلت كل جروح حرق المكواة والتطعيمات وتقشير البطاطس والدق على الأصبع بدل المسمار إلى رصاصات وطعنات تلقّاها أثناء تأدية الواجب، مروراً بحادث المنصّة الذى كان الوحيد الذى أردى فيه أحد المهاجمين، حتّى ظهور رأفت الهجّان الذى كان زميله فى المخابرات، كما سُمى معهد جوته الألمانى على إسمه تيمّناً به بسبب حُب المُستشار الألمانى له عِندما جاء إلى مصر.. فقط فاته ميعاد تسجيل الرغبة فى إرتياد الفضاء وسبقه نيل أرمسترونج ولولا ذلك لكان أول من هبط على القمر وليلة أمس عندما كان يتعشّى مع الرئيس عبد الناصر عزم عليه بالطرشى بنفسه وأقسم..
لو قُدّر لجيمس بوند أن يقابل جودة لغيّر إسمه أدباً لـ (003) بدلاً من (007) وأعطى هذا الشرف لجودة بدلاً منه..



